الزمن والبناء الحضاري – بكالوريا آداب

الزمن والبناء الحضاري - بكالوريا آداب

الزمن والبناء الحضاري – بكالوريا آداب

الاشكالية: كيف يكون للوعي بقيمة الزمن دور في تحقيق النهضة والبناء الحضاري؟

منزلة الزمن في الإسلام:

الزمن مقوم أساسي من مقومات حياة الإنسان. فحياة الإنسان لها نقطة بداية ونقطة نهاية ولها أيضا غائيّة وهدف وهو عكس العبثيّة. ومن خصائص الزمن هو سرعة انقضائه وأن ما مضى لا يعود ولا يعوّض.

ويحتل الزمن في الإسلام مكانة هامّة لذلك وجب حسن استثماره لصالح الأمّة والمحافظة عليه.

حيث يُسأَلُ الانسان يوم القيامة عن خَمْسٍ تتعلق بالزمن ألا وهي العمر فيما استثمره والشباب وما فيه من قوّة وحيوية وفيما وظف النشاط والمال الذي هو نعمة للانسان المستخلف هل تصدق به والعمل هل وظفه في تحصيل المنافع والعلم ومدى الاستفادة والإفادة منه.

فالزمن مسؤوليّة وأمانة ونعمة من الله تعالى وجب الشكر عليها وقضاءه فيما ينفع يحقق العافية في البدن والمال والاقبال عن الحياة. حيث رَوى ابنُ حِبَّانَ والترمذيُّ في جامِعِه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: “لا تزولُ قَدَمَا عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يُسألَ عن أربعٍ عَن عُمُرِه فيما أفناهُ وعن جسدِهِ فيما أبلاهُ وعن عِلمِهِ ماذا عَمِلَ فيهِ وعن مالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وفيما أنفقَهُ”.

الزمن وفاعلية الانسان:

اغتنام الوقت والمبادرة:

الاغتنام هو المسارعة والمبادرة في تحصيل المنافع أي أن يكون الانسان ايجابيا في حياته وتصرفاته وافعاله. إذ يجب ان يغتنم المؤمن فترات القوه والقدرة المتمثلة في الشباب والصحة والغنى والحياة والفراغ فالزمن نعمة من الله تعالى يجب على الانسان اغتنامها في دينه من خلال التقرب من الله تعالى وتنفيذ أوامره من اللزوميات او الطاعات وفي دنياه من خلال العلم النافع والوعظ الارشاد وانجاز المشاريع… إذ قال الحجاج: “إن امرأً أتت عليه ساعة من عمره، لم يذكر فيها ربه، أو يستغفر من ذنبه، أو يفكر في معاده، لجديرٌ أن تطول حسرته يوم القيامة” .

اهدار الزمن في الحياة:

الزمن المهدور أي الضائع هو المبذول في غير منفعة دينية او دنيوية كاللهو ولعب الورق وارتكاب المعاصي. إذ يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (نعمتان مغبون فيهما كثيرٌ من الناس الصحة، والفراغ) رواه البخاري. والغبن هو التقصير.  ففي الصحة لا بد من اداء زكاة الابدان مثلا وفي الفراغ يُحسن استثماره فيما ينفع الفرد او المجموعة. أما شكوى الزمن فهي دليل على السلبية والتواكل والضعف والهروب من المسؤولية إذ يقول الشافعي:

نعيب زماننا والعيب فينا          وما لزماننا عيب سوانا

تجدد الليل والنهار هو تجدد في الزمن وهذا يستوجب منا تجديد ذواتنا وذلك بالتذكر والتفكر والعمل على أنشطة تجسد هذه الفعالية للإنسان. إذ قال تعالى: يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ. الانشقاق، والكدح هو العمل والفاعلية هو الجهد الذي تستغرقه الحياة وينتهي بالموت فزمن الكدح يتواصل طوال حياة الانسان. إذ يجب على الانسان ان يكدح لدنياه وآخرته أي العبودية لله تعالى وسيادته على الكون فيحقق بذلك الفاعلية في الزمن ويشارك في البناء الحضاري.

ترتبط قيمة الانسان بمدى وعيه بقيمة الزمن وفاعليته فيه بحيث يكون بعيدا عن كل انواع البطالة وتفعيل القدرات والمواهب من الله تعالى والذي يؤدي الى حسن استثمارها في ابواب المنفعة وهي وجه من وجوه عبادة الله سبحانه وتعالى.

الزمن والبناء الحضاري:

يعتبر مالك ابن نبي ان بناء الحضارة يقوم على ثلاثة عوامل اساسية تمثل رأس المال الحضاري وهي:

الانسان: يمثل القدرة الفاعلة والعقل المدبر والارادة الحرة.

التراب: منه خلق ومنه وعلية وبه يعيش الانسان.

الوقت: مساحة متاحة لتوظيف هذه القدرات واستغلال هذا التراب.

لا اهمية للتراب والانسان إذا غاب الوعي بالزمن ويعتبر مالك ابن نبي الزمن كالنهر في الحركية والاستمرارية وفي الحياة والاخصاب والانماء. ويكون الزمن ثروة إذا احسسنا بقيمته وحافظنا عليه ليصبح جوهر حياتنا. كما أن الواقع يؤكد أن أكثر الشعوب تقدما هي أكثرها وعيا بقيمة الزمن وأكثرها تقديرا واستثمارا له مثل اليابان والمانيا والحضارة العربية قديما التي تحققت انطلاقا من مبدأ تقديس الوقت فالوقت من ذهب لا يعود منه ما ذهب ….. والوقت كالسيف ان لم تقطعه قطعك.

فالوعي بالزمن هو احساس بالغاية والهدف من الوجود وتقدير للأمانة التي كلف بها الانسان.

الانسان هو المحرك للمجتمع والتاريخ وذلك بقدر فهمه لقيمة الزمن وحسن استثماره وفاعليته من اجل الاسهام في بناء الحضارة قال تعالى:” ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”. وقد جاء في الأثر: لو تعلقت همة المرء بما وراء العرش لناله.

يقوم الدّين بمصالح النّاس لذلك حرّم الله القتال في أربعة أشهر (ذو القعدة – ذو الحجة – محرم – رجب) وجعلها أشهر سلم بين النّاس. حيث قال تعالى:” إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ” التوبة 36.

السابق
الزمن في القرآن – بكالوريا آداب
التالي
الابداع والقيم – بكالوريا آداب