الكونية من المنظور الإسلامي – بكالوريا آداب

الكونية من المنظور الإسلامي – بكالوريا آداب

مفهوم الكونيّة:

قال تعالى: ” ومَا أَرْسَلْنَاكَ إلّا رحمة للعالمين” ويعني لفظ “للعالمين” عالميّة الرّسول صلّى الله عليه وسلّم. فالقرآن لم يستعمل لفظ الكونيّة بل استعمل مصطلح “العالمين” الذي يعني العالم والنّوع الإنساني. كما قال تعالى: ” وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلَّا كافَّة للنّاسٍ بَشِيرًا ونذيرًا”. كما يدل لفظ “كافَّة للنّاسٍ” عالميّة الرّسالة وعموم الدّعوة. فالكونيّة في المنظور الإسلامي هي رؤية حضاريّة واقعيّة بعبادتها وقيمها المستمدّة من عقيدة التّوحيد والتي تقرّ بالأسس المشتركة بين الشّعوب وتعترف بخصوصيّة هذه الشّعوب الثّقافيّة والفكريّة والاجتماعية. وتقترن الكونيّة في المنظور الإسلامي بالرّحمة بينما ترتبط العولمة بالسّيطرة (سيطرة الدّول الكبرى على الدّول النّامية). إذ تعتبر العولمة هي دعوة إلى الهيمنة والتفرّد في توجيه العالم وجهة تخدم مصالح فئة معيّنة.

أسس الكونيّة:

وحدة الأصل والمصدر:

قال تعالى:” يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ” النساء 1. وعن جابر بن عبد الله قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم في وسط أيام التشريق خطبة الوداع فقال:” يا أيّها النّاس إنّ ربّكم واحد وإنّ أباكم واحد ألا لا فضل لعربيّ على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلّا بالتّقوى إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم ألا هل بلّغت؟” قالوا: “بلى يا رسول الله”. قال:” فليبلّغ الشّاهد الغائب”. رواه الإمام البيهقي: شعب الإيمان: 4/289.

ويُقصد بالنفس الواحدة آدم عليه السّلام وحوّاء الذين جاؤوا بالرجال والنساء ومنها القبائل والشعوب. فالاشتراك في صفة الإنسانيّة يعني المساواة والعدل وهو عكس التّمييز والتّفرقة والعنصريّة.

وحدة المصير:

يشترك جميع بني آدم في صفة خلافة الله في الأرض لتكون دار تكليف وامتحان للجميع لأنّ المصير مشترك ولقد شبّه الرّسول صلّى الله عليه وسلّم النّاس في هذه الأرض بالمشتركين في ركوب سفينة من طابقين ركب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها وظهر لمن هم في الأسفل أن يثقبوا جدار السّفينة ليحصلوا على الماء من البحر والمشكلة هي هل يسكت الذين هم في الأعلى على ما يصنعه الذين هم في الأسفل أم يمنعونهم كي ينجو الجميع؟

تمتلك الدّول النّووية اليوم من أسلحة الدّمار الشّامل ما يهدّد الكرة الأرضيّة بالدّمار فلا ينبغي بالتّالي أن يترك مصير العالم بأيديهم.

تنوّع العنصر البشري:

يتنوّع البشر على أساس اللّغة واللّون والقوميّة والإيديولوجيا والدّين… قال تعالى: وَلَو شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاس حتَّى يكُونُوا مُؤْمِنين” يونس 99. إذ يدع الإسلام إلى حماية التّنوّع البشري لذلك فهو يدين روح التّدمير والسّيطرة ولا يريد فرض إيديولوجيا عالميّة ويقرّ أنّه بموجب أمر إلهي سيظلّ الخلاف قائما بين النّاس. لذلك فهو يأمرنا بمجادلة أهل الكتاب على أساس العقل والمنطق وبغاية الإقناع بالتي هي أحسن. قال تعالى:” وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ” العنكبوت 46 لذلك يجب معاملة من يخالفنا في الدّين بالعدل والبرّ بهم مع استثناء الذين ظلموا واضطهدوا المسلمين وقاتلوهم وهنا عدل لا شائبة فيه. قال تعالى:” لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ”  الممتحنة 8

وقد كرّم الله البشريّة وفاضل بينهم على أساس التّقوى والعمل الصّالح بقطع النّظر عن انتماءاتهم وأجناسهم وألوانهم وهذا دليل عل حق التّنوّع والاختلاف وبالتّالي احترام الخصوصيّة والهويّة.

أهداف الكونيّة:

حوار الأديان:

قال تعالى: ” قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ” آل عمران 64. إذ تتضمّن الآية دعوة إلى أهل الكتاب لتأسيس أرضيّة للتّفاهم بين منتسبي الأديان الكتابيّة الثّلاثة على قاعدتين هما عبادة الله وحده وعدم الشّرك به. فالتّوحيد قاسم مشترك بين كل الديانات وهو ما يؤكد التّساوي في القيمة الإنسانيّة وإلغاء التّمييز أو التّعالي بين أصحاب الدّيانات الثّلاثة.

التّسامح الدّيني:

قال تعالى: ” لاَ إِكرَاه في الدِّين” البقرة 256. إذ يتأسّس الدّين الإسلامي على السّماحة (وهو سلوك المسلم الإيجابي مع أخيه المسلم) والتّسامح (وهو سلوك المسلم الإيجابي مع غير المسلم). كما أن الدّعوة الإسلاميّة لا تقوم على الإكراه مطلقا وإذا لم يستجب لها المخالفون فلا يقوم بذلك أي مبرّر لإقصائهم.

ومن نماذج التّسامح الدّيني التي كانت تسود المجتمع الإسلامي هي وقوفه صل الله عليه وسلّم لجنازة يهودي تقديرا لحرمة النّفس البشريّة. كما كان المختلفون في الأديان وفي المذاهب يتناظرون فيما بينهم وكان اليهود والنّصارى يتمتّعون بحق ملكيّة الأراضي الفلاحيّة في البلاد الإسلاميّة والسّماح لأهل الذّمة وهم غير المسلمين الذين يعيشون في ضلّ المجتمع الإسلامي بالتّمتّع بكامل حقوق المواطنة في البلاد الإسلاميّة.

فالإسلام يحفظ حقوق الأقليّات ومصالحهم. كما أن التّسامح مفهوم متداول عالميّا ضدّ التعصّب والتّناحر لأسباب دينيّة أو مذهبيّة أو إيديولوجية وهو يكفل حريّة الإنسان في الدّين والرّأي ويتيح مبدأ التّعايش السّلمي بما يكفله من سلم وأمن في العالم.

التّعارف والتّعايش السّلمي:

تقوم العلاقة في الإسلام بين الشّعوب والقبائل على المساواة في الأصل الإنساني والتّعارف. قال تعالى:” شُعُوبًا وقَبَائِلَ لِتَعَارفُوا”. الحجرات 13. فعلاقة التّعارف تتضمّن التّعاون، التّواصل، التّحاور، والتّعاضد في الخير والتّوازن بين الحقوق والواجبات.

من المشروع إذًا أن تقيم البلدان الإسلاميّة المعاهدات والاتفاقيات مع جميع بلدان في العالم وبالتّالي التّدخّل في مجمل القضايا العالميّة. قال تعالى:” وَتَعَاوَنُوا على البِرِّ والتَّقْوَى ولا تَعَاوَنُوا على الإِثْمِ والعُدْوَانِ”. المائدة 3.

تحقيق الهدف الأسمى للوجود = الاستخلاف:

ويكون ذلك من خلال العبوديّة لله والالتزام بأوامره والانتهاء عن نواهيه. قال تعالى: ” وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلاَّ لِيَعْبُدون” سورة الذاريات 56. إضافة الى السيادة في الكون من خلال العلم، الاجتهاد، والسعي من أجل إعمار الكون. قال تعالى:” يَا أيُّهَا الإنْسَانُ إنَّكَ كَادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيه”. الانشقاق 6.

الكونيّة بين مقتضيات العالمية ومقتضيات الخصوصية:

الكونية ورهانات الواقع:

يشهد العالم المعاصر تحوّلات كبيرة خاصة في بروز قيم جديدة وتنوع وسائل الاتصال والقضايا المستحدثة، مما يجعل حق التّواصل والتّقارب بين الشّعوب مطلبا ملحا مما يؤدي إلى جعل العالم قرية كونيّة صغيرة. فالحضارة الكونيّة هي تضافر لجهود إنسانيّة فلا توجد حضارة مستقلّة بذاتها فكل وجود هو وجود للآخر بالضرورة. وعليه فلا يمكن للمجتمعات الإسلامية أن تبقى بعيدة عن هذه التّحوّلات وكما قيل، “إذا لم تختر ما تريده، اختير لك ما لا تريده”.

شروط تحقيق الكونية والعالمية من منظور إسلامي:

من شروط تحقيق الكونية هو وعي النخبة المثقفة بشروط الواقع واللّحظة التاريخية من تحدّيات داخلية وخارجيّة وإخضاع التّراث للنقد لمعرفة الجوانب الإيجابية لتحفيز المجتمع على تحقيق التقدّم والاستفادة من التجارب السابقة دون أن تتحول إلى بديل يغني عن البحث والاجتهاد كذلك الاستفادة من مبادئ الحداثة الغربية دون أن تصبح نموذجا ومثالا أي كسر حدّة الانبهار بالغرب إضافة إلى ضرورة التّعامل الواعي والنّقدي والنّدي مع الآخر.

فالاحتكام إلى المبادئ الإنسانية العالمية يكون من خلال دعم القيم الإنسانية الداعية إلى الحرية والمساواة والعدل والسلم والحفاظ على القيم الروحية والأخلاقية والاقتصادية ومقاومة الفساد والطغيان ورفض الهيمنة والسيطرة والاعتراف بالآخر ورفض الصراع والصدام العالمي.

أنقد وأبني موقف:

الكونية من وجهة نظر إسلامية هي ممارسة وليست تنظيرا من أبعادها دعم الأمن والسلم العالميين ورفض الصراع والصدام الحضاري. فالكونية لا تلغي الخصوصية القومية أو الحضارية بل علينا أن نستفيد من هذا الاختلاف فهو مصدر إثراء للفكر والأسلوب.

السابق
الحرية في الفكر الفلسفي: النص في معترك الأسباب – بكالوريا آداب
التالي
الإنسان بين الغيب والشهادة – بكالوريا آداب