ملخص شهرزاد الحكيم: الجانب الفني – العربية – بكالوريا آداب

ملخص شهرزاد الحكيم: الجانب الفني - العربية - بكالوريا آداب

ملخص شهرزاد الحكيم: الجانب الفني – العربية – بكالوريا آداب

في تحديد المأساة أو التراجيديا:

تأخذ التراجيديا والمأساة منحا واحد في الفن المسرحي التراجيدي وحسب فن الشعر لأرسطو فإنّ التراجيديا  والكوميديا يسببان التطهير فالمأساة هي نهاية تراجيديّة وخذ في ذلك مسرحيّة “الملك أوديب”. حيث ترتبط المأساة بشخصيّة بطلة أسطوريّة حسب “ديوميد” ونجدها عند “جون أوف جارلاند” فيعرّف التراجيديا أو المأساة على كونها قصيدة قد كتبت بأسلوب لطيف وفنّي ورفيع يحاكي فعل نبيل معالجا لفعل رذيل، ويكون الصّراع حاضرا في المسرح التّراجيدي ليُقام على فعل الممثلين على الرّكح أمام المشاهدين إذ تنبجس للشاهد اشخاص المأساة لا الممثّلون في حد ذاتهم وذلك لخصائص لهذا الفن وتتميز  المأساة بأحداث وأفعال جادة لتكون المأساة مبتغاها فعل نبيل لذلك اشترط أن يكون البطل بطلا أسوريا أو شبه مقدس ومخالف للناس العاديين فيكون ملكا ومن سادة قومه ويشترط أيضا الوضوح والبيان في بنائها مكتملة وذلك بتوفر بدايتها ونهايتها ولما بينها من تنامي الفعل الدرامي وقد توفر ذلك  في مسرحية “شهرزاد الحكيم” فنجد مقدمة احتفالية مثلت البداية أو العرض وسيتم تفصيل الكلام فيها فيما بعد وصولا إلى تنامي الأحداث عبر الصراع المتمثل في البحث عن سر شهرزاد والرحيل إلى فعل الخيانة حتى نجد أنفسنا أمام نهاية مأسوية تراجيدية متمثلة في الفاجعة في المنظر السابع فقد تصاعدت الأحداث وحلت المأساة وكثر الصياح وتصعّد الفعل الدرامي حد ذروته وفي ذلك خلق لجو تراجيدي مؤثر. وكما نجده هذا البناء في “مسرحية السد” للكاتب التونسي محمود المسعدي الذي كان صاحب المأساة فيها “غيلان”.

ويضبط النص المسرحي التراجيدي بطول معين ومعلوم وقد بين هذه المسألة الأستاذان “الأزهر بنرحومة ومحمد الهاشمي الطّرابلسي” في كتابهما “شهرزاد” لتوفيق الحكيم الموافق والمطابق للبرنامج الرسمي لمادة العربية حيث أن النص المسرحي التراجيدي لا يجب أن يحتمل النقصان والزيادة في الفعل أي في الأحداث الدرامية فلا نجد للتمطيط حضورا ولا للتفريع ولعل ذلك عائد إلى خصائص الفرجة فللمتفرج طاقة استيعاب لذلك يكون الالتزام بالوحدات الثلاث لأمر ضروري في هذا الفن والتي سأوردها بعد هذه الفقرة.

الوحدات الثلاث:

خصائص الحبكة المسرحية: الحبكة في المسرح هي البناء المسرحي وهي ترتيب خاص للأحداث وفق منطق معين، وتوزيع محكم للفضاء وتحديد دقيق للشخصيات وما تنطق به من حوار بحيث تتحدد معالمها بفضل تلك الحبكة ويتحقق الهدف من تأليف المسرحية أي إثارة الانفعال.

أهم قواعد الحبكة ومبادئ إحكامها بمنطق الوحدات الثلاث: الزمان، المكان، الحدث. بحيث لا يتخلل التراجيديا مشهدا كوميديا على الاطلاق، وتنتهي المأساة بنهاية مفجعة. ويعتبر مبدأ وحدة الحدث العمود الفقري لبناء المسرحية حتى لا تأتي مفككة غير مترابطة أو متناقضة مما يذهب بالأثر النهائي الذي يسعى المؤلف إلى توليده في النفوس.

مسرحة شهرزاد قامت على وحدة الموضوع وهذا الموضوع صراع الإنسان المأسوي مع المكان وهو قطب الرحى عليه تدور الأحداث الدرامية.

وحدة الحدث: 

وذلك بتناول قضية واحدة كبرى لا تتفرع عنها ولا تقابلها قضية أخرى فتكون المسرحية عقدة واحدة فيكون هذا الحدث في تصاعد بالتالي سيدفع الفعل الدرامي إلى التقدم والتنامي في خضم حدث واحد.

وحدة الزمان:

حددها أرسطو بـ 24 ساعة أي دورة شمسية واحدة أي أن الفعل الدرامي الذي سيتم في المسرحية لو تم وضعه وتطبيقه على الواقع لدام يوما واحدا. يقول أرسطو: “تنمو المأساة إلى حصر نفسها قدر المستطاع في زمان مقداره دورة شمسية واحدة أو لا تتجاوزه إلا قليلا”.

وحدة المكان:

فمن متطلبات العمل المسرحي أن يكون المكان واحدا أي وحدة المكان فلا يمكن احتواء القاعة على غابات ومساحات كبرى أو معارك ضخمة كما كان الحال في اليونان أو الرومان، فإن ذلك فرض على الكاتب بناء مكان محدود لا يمكن له تجسيد تلك الأماكن والأحداث التي لا يمكن لخشبة المسرح أن تلم بها.

إن ما يميز هذا الفن المسرحي على سائر الفنون الأخرى هو الفعل النابض والفعل الحي فهو شرط لتحقيقه وتحقيق مأساته فهو فعل الشخوص على خشبة المسرح بدل ان يكون فعل سرد وفعل حكاية فوسيلته أشخاص يفعلون لذلك كان المسرح صورة منعكسة للواقع إذ ينقل وقائع وأحداث نقل فعل لا نقل حكاية فتعمل المسرحية التراجيدية على محاكاة الواقع في جانب من جوانبها وتعمل على بعث المشاعر والتأثير في المتفرج وبعث التشويق والخوف تجاه الفعل المعقد نحو الفاجعة المنتظرة وإثارة الشفقة.

البناء التّراجيدي:

المقدمة الاحتفالية:

من شروط المسرحية هي التام وعدم النقص ونجد في مسرحية توفيق الحكيم توفر البداية وهي مقدمة المسرحية المتجسدة في المنظر الأول الذي قطع فيه رأس زاهدة العذراء والذي تلقاه المتفرجون خبرا لا فعلا. تقول زاهدة العذراء:” هو عي تقيمه العذارى للملكة شهرزاد” وتقول:” فليسألوا رأسي المقطوع فقد يجيب” ويتمثل أيضا في إخراج العبد من الدن (دن دهن السمسم) في نفس اليوم الذي كان فيه رغبة من شهريار من التّخلّص من الجسد وجعله عقلا خالصا يقول شهريار:” أود أن أنسى هذا اللحم وذا الدّود”. وقد مثل المنظر الأول مرحلة العرض فيعرض لنا الشخوص ويقدمها للمتفرج ويعرض أيضا أجواء المسرحية وأجواء المأساة فلعبت المقدمة الاحتفالية بوظيفة إخبارية تعرض لنا الأجواء تمثلت في بيان حيرة العامة إزاء التغير المفاجئ الذي طرأ على ملكهم.

سر شهرزاد:

تتجسد هذه المرحلة الثانية في المنظر الثاني متجسدة في الحوار الذي دار بين الوزير قمر والملكة شهرزاد ثم الحوار الذي دار بين الملك شهريار والملكة شهرزاد والذي نجده خائبا في مواجهة شهرزاد وفشله في كشف سرها “أي سر تبحث عنه أيها الأبله” “خسئت إني لن اخضع لامرأة” والذي انتهى الحديث بعد تشنجه وانفعاله إلى الهدوء ونومه بين ذراعيها. فهذا الاحتداد والتشنج والفشل في معرفة سرها سيدفع شهريار نحو الرحيل بحثا عن سرها فيجول في مشارق الأرض ومغاربها فينحدر الفعل نحو الذروة والتعقد.

الرحيل:

الاحتداد والتشنج والفشل في معرفة سر شهرزاد في المنظر الثاني سيدفع شهريار نحو الرحيل مرفوقا بالوزير قمر بحثا عن سرها فيجول في مشارق الأرض ومغاربها من خلال المنظر الثالث والرابع فينحدر الفعل نحو الذروة والتعقد. سعيا منه إلى المعرفة وإلى التحرر من قيود المكان الضيق (القصر) إلى المكان المنفتح فبذلك تقوم المسرحية على فعل متنام وهو رحيل عن المكان الذي ينقل الحبكة إل نوع من الانحدار في الفعل المسرحي.

الخيانة:

تتجسد الخيانة في المنظرين الخامس والسادس ويتمثل في استدعاء شهرزاد العبد إلى مخدعها وادخاله خدرها عند غياب شهريار عن القصر وينتشر الخبر في أرجاء البلاد الذي كان انتشاره بتعمد من شهرزاد حتى تستعيد شهريار تقول شهرزاد:” بل أريد عودته حتى لا أشبع منك بل أنا حبي لك لا يحي إلا في الظلام”. ليصل إلى خان أبي ميسور الذي كان به الملك شهريار ووزيره قمر فيسمعان الخبر عند نزوله بالخان عن طريق الجلاد عند حديثه مع أبي ميسور على العبد:” صاحبي العبد كان في سرير من حرير يؤانس ملكة المدينة هو الآن عشيق شهرزاد الملّل”.

الفاجعة:

تتجسد في المنظر السابع. في عودة الملك والوزير عند سماعهما لحدث الخيانة الذي مثّل الانفراج في المسرحية واللذان يكتشفان اختباء العبد الأسود في خدر الملكة ليكون الملك لا مباليا بالخيانة والقيم وغير مهتم فبعد أن كان رجلا غيورا أصبح رجلا لا مبال لتشمل الفاجعة الوزير قمر بقطع رأسه خبرا لا فعلا حي على خشبة المسرح، يقول شهريار:” قمر مات انطفأت حياة قمر لم يعد قمر يستمدّ الحياة من الشمس”. أمام موتا معنوي لشهريار لتأكيد عجز الإنسان أمام القوى الخارقة له.

الحوار في مسرحية شهرزاد:

خصائص الحوار وبنائه:

الحوار مقوم أساسي إذ به وعبره تنطق الشّخوص على خشبة المسرح لتبلغ المتفرج شيئا ما. ولقد جسد الحوار في مسرحية “شهرزاد الحكيم” الصراع فالأقوال محكومة بالصراع أو السمة الصراعية وقد ورد الحوار في المسرحية حاملا لطابع ذهني فمن خصائص الحوار أنه يضطلع بالصراع إذ يوجه الحوار الفعل المسرحي نحو التصعيد إذ يحمل وجهات نظر مختلفة ومتضاربة ومتباينة ليؤسس التصادم بين الشخصيات ليكون الحوار ترجمانا لنقل الانفعالات لا الأفعال في حد ذاتها ويعمل الحوار على كشف بواطن وبوادر الشخصيات وما ينبجس في أعماقها  وبه يتحدد مواقفها وأفكارها لذلك كان الحوار يلعب دورا رمزيا عند التحاور الذي يكشف ما ترمز إليه كل شخصية فنتبين الخاصية التالية وهي خاصية الوضوح فالشخصية تعبر عما بداخلها وتوجه حركاتها بل تخلق وجودها ذاته عبر منطوقها. لذا تفضح الشخصية نفسها بنفسها وهي تتكلم وتكشف عن خواطرها.

ومما يخضع الحوار إلى هذا الفن المسرحي التراجيدي جعله حوارا يتسم بالتشنج والنبرة العالية في الصوت فيكون الحوار بين الشخصيات متصاعدا ومجهورا حتى يؤثر في نفس ومشاعر المتفرج والسامع.

لقد اِنبنى الحوار في مسرحية شهرزاد على الحوار السّجالي أو الحوار التصعيدي يكون فيها طرفا التخاطب في مواجهة تتسم بالتوتر أو رد موقف بموقف (كالسجال بين شهرزاد وشهريار في المنظر الثاني). أو يكون الحوار حوارا حجاجيا (كالحجاج الذي دار بين العبد والملكة شهرزاد). أو حوارا تعليميا من خلال الإخبار والاستخبار في بداية المسرحية (الحوار بين العبد والجلاد أو الذي ورد في نهايتها بين الجلاّد وأبي ميسور).  ليكون الحوار في مواضع من المسرحية حوارا يتسم بالاستقرار في تواصل الشخوص أو متدرج ومتذبذبا بين الاستقرار والتصعيد.

يكون بناء الحوار في مسرحية شهرزاد متنوع  فنجده ثنائي (حوار قمر وشهرزاد / حوار شهريار وشهرزاد / حوار العبد والجلّاد) أو ثلاثي أو رباعي كما الحال في خان أبي ميسور الذي لم يكن واضحا في الحور لعدم أهميته… حيث يتبين لنا أن الحوار يطغى عليه التبادل بين طرفين غالبا أو يكون الحوار فرديا عندما تلتجئ الشخصة إلى الحوار الباطني تخاطب نفسها مثل شهرزاد “وهل تحسب لو زال هذا الحجاب تطيق عشرتي لحظة”. إن تعدد الأطراف في الحوار وحضورها وانسحابها يساهم في تنوع طبيعة الحوار وخصائصه.

وظائف الحوار:

يضطلع الحوار في المسرحيّة على وظائف متعددة وهي كالآتي:

تحديد العلاقات بين الشخوص:

كبيان طبيعة العلاقة بين العبد والجلاد (صديقان) أو علاقة تنافر (شهرزاد وشهريار).

تحديد مواقف الشخصيات وأحوالها:

كالحوار بين حوار قمر وشهرزاد أو بين شهريار وشهرزاد أو بين حوار العبد وشهرزاد وبيان موقف كل منهم إزاء شهرزاد. علاوة على بين سمة كل منهم إثر الحوار كبيان انفعال شهريار وتوتره عند الحديث مع شهرزاد أو الارتباك الذي انتاب قمر في حديثه مع شهرزاد أو الخوف الذي انتاب العبد في حديثه مع شهرزاد. فهي وظيفة كشف لبواطن الشخصيات ويمكن تسميتها بالوظيفة التصويرية أيضا.

التأثير على المتفرج:

تضطلع هذه الوظيفة بحال المتفرج إذ تعمل على التأثير في قناعته والميل لإحدى الشخوص وتبني موقف من المواقف الواردة في المسرحيةوتعمل هذه الوظيفة على بعث المشاعر والتأثير في المتفرج وبعث التشويق والخوف تجاه الفعل المعقد نحو الفاجعة المنتظرة وإثارة الشفقة. وفي ذلك خدمة الفرجة من ذلك هيجان الوزير قمر أو تلهف العبد وسخرية الجلاد.

الوظيفة الدرامية:

ويقصد به تصعيد الفعل الدرامي من خلال الحوار الذي يتسم بالتشنج والتوتر فيقوم بتوجيه الأحداث نحو التصعيد ثم انحدارها إلى الكارثة في نبرة خطاب الملك شهريار. متجسدة في الحوار الذي دار بين الوزير قمر والملكة شهرزاد ثم الحوار الذي دار بين الملك شهريار والملكة شهرزاد والذي نجده خائبا في مواجهة شهرزاد وفشله في كشف سرها الذي انتهى الحديث بعد تشنجه وانفعاله إلى الهدوء ونومه بين ذراعيها. فهذا الاحتداد والتشنج والفشل في معرفة سرها سيدفع شهريار نحو الرحيل بحثا عن سرها فيجول في مشارق الأرض ومغاربها فينحدر الفعل نحو الذروة والتعقيد.

الوظيفة الرمزية:

يعمل الحوار على كشف بواطن وبوادر الشخصيات وما ينبجس في أعماقها  وبه يتحدد مواقفها وأفكارها لذلك كان الحوار يلعب دورا رمزيا عند التحاور الذي يكشف ما ترمز إليه كل شخصية فالحوار الذي دار بين شهرزاد وكل من الملك والوزير والعبد كشف رمزية كل واحد منهم فنجد قمر رمز القلب والملك رمز العقل والعبد رمز الجسد لتكون شهرزاد رمز التعادلية بين كل هذه الأبعاد.

الوظيفة الإخبارية:

تضطلع هذه الوظيفة بسرد ما دار خارج الركح من احداث لم تذكر على خشبة المسرح، وظيفة إخبارية تعرض لنا الأجواء تمثلت في بيان حيرة العامة إزاء التغير المفاجئ الذي طرأ على ملكهم من خلال حوار العبد والجلاد في المنظر الأول.

الوظيفة الإمتاعية:

في شهرزاد محاورات تعبق منها رائحة الشعر والفلسفة. الطابع الشعري والطابع التأملي الذهني هما اللذان خلقا حوارا متراوحا بين عذوبة الشعر وعمق التأمل والطابع الشعري: “الحوار في المسرحية شعري ممتع” مندور حضور السجع من خلال الجمل المتوازية “بي شوى إلى مطالعة عينيك” وللفة الشعرية وظيفتان أداة تواصل بين الشخصيات وأداة تأثير في المتقبل وهو أكثر مرونة من الإيقاع الشعري وأشد تعقيدا وخفاء كما أن عناصر الإيقاع تتعدد لتفعل فعلها في المتقبل. أو من خلال الترديد لنفس الجملة يخلق إيقاعا داخليا كبيرا وتحدث في المتقبل شيئا من السحر “أليس لي جسد جميل؟” “أليس لي قلب كبير؟ .

أما الفلسفة التي أفضت المتعة على نص الحوار فقد طغت على لغة الحوار ظاهرة التفلسف والفرضيات الذهنية مما يؤكد الطابع الذهني في المسرحية ومدى تأثر صاحبها بالفلسفة. المحاورات على كثرة أطرافها هي مناقشة قضية ذهنية واحدة جامعة هي مدى القدرة على الانفلات من روابط الحياة: رابطة الجسد والقلب . وهذا يجذر المسرحية في الأدب الذهني الذي يتحول فيه السؤال إلى بطل رئيسي بل هو محرك الدراما الذهنية وجوهرها وفي المسرحية حشد هائل من الأسئلة ترد على كل لسان مع فراغات صمت عديدة ونقاط تعجب كثيفة تزيد المتقبل حيرة على حيرة.

الإشارات الركحية:

إن الإشارات الركحية هي من خصائص الفن المسرحي إذ لا يقل قيمة على الحوار والإشارات الركحية إذ انها لا تهدف إلى تقوية عنصر الفرجة بقدر ما هي رموز تنضاف إلى رموز الحوار مثل الستار الأسود في المنظر الأول فهو ديكور لكنه لا يقوي عنصر الفرجة وتكون الإشارات الركحية بمثابة مساعد للمخرج أو الكاتب أو للمتفرج حتى يتسنى له الفهم وتمثل المشكل لديه ذهنيا. بحيث تلعب الإشارات الركحية بدور العرض عن صح التعبير بعرض المكان أو الزمان أو الشخوص التي تكون غالبا متقدمة في موضعها على الحوار أو تكون متوسطة في الحوار أو أخره التي تحدد الإيماءات والأحوال ولقد كان الحوار لا يضطلع بالوصف تحديدا لملامح الشخصيات ما توفر من إشارات وصفية جسمانية باتت ضئيلة لا نجد ملامح دقيقة للوجه وللجسد عموما ولا غرابة فالشخصية إن هي إلا فكرة ورمز وذلك لانتماء المسرحية للمسرح الذهني لتحمل الشخوص أبعادا ذهنية أكثر منها وصفا ماديا لها ولا ننسى أن الإشارات الركحية كذلك هي عناصر ديكور تخدم المسرح لتؤثثه ولتنغمر هي أيضا في البعد الرمزي.

أنواع الإشارات الركحية:

غالبا ما تكون إشارات ركحية وصفية لأجواء المسرحية من وصف الشخوص وملامحها وأحوالها النفسية التي سيجسمها الممثلون على الركح، أو تكون سمعية من ذلك الموسيقى المتفجرة في بداية المسرحية، أو تكون حركية ترصد حركات الشخصيات من ذلك “العبد يتسلق النافذة”، وتكون بصرية وحالية أيضا من ذلك “قمر تسيل من عينيه عبرات بلا شهيق”.

وظائف الإشارات الرّكحيّة:

تضطلع الإشارات الركحية بعدة وظائف وهي كالآتي:

وظائف درامية: تتمثل في:

تأثيث الركح:

فنجدها مشيرة إلى بعض مكونات المكان من ذلك “قمر يشير إلى السيف المعلق”.

الإعداد للمشهد:

أي تقديمه كتقديم المنظر الخامس وتأطيره مكانا وزمانا “المنظر الخامس في بهو الملك ليل ساج داج”.

الإضاءة:

من ذلك تنوير المشهد وتعتيمه خدمة لعناصر الفرجة “ساعة الغروب، الشمس تغوص في الرمال عند الأفق البعيد، في جوف هذا اللّيل البهيم، شمس الصباح تملئ الأرجاء”.

دفع الأحداث الدرامية إلى التصاعد:

فعناصر الفرجة تضع الحدث الدرامي وتساهم في دفعه وتصعيده وذلك من خلال إشارات ركحية متنوعة كتلك الموسيقى الصاخبة المعلنة على الرحيل”موسيقى هادئة وترنم خافت خارج القاعة، بهو الملك موسيقى خافتة” يقول شهريار في ذلك:”موسيقى هابلة تدعو إلى الرحيل” أو من ذلك “فجأة صيحة ذعر ترتفع خارج المكان”.

تلخيص أحداث سابقة لم تمثل على الركح أو تجسيد أخرى:

ومن ذلك قتل شهريار في السابق للعذارى في كل ليلة او قطع رأس قمر في آخر الرواية.

الوظيفة الاستبطانية بما هي تحديد ملامح الشخصيات:

وبه يتمّ رصد حركات الشخصيات في حركة دخولها أو خروجها الدالة على الرغبة في التحرر من المكان ومن ذلك أيضا رسم لأحوالها وانفعالاتها “شهريار يظهر في نشاط عجيب، شهريار في ضيق صدر”.

تنظيم العلاقات بين الشّخوص على الركح:

وتضطلع هذه الوظيفة على تحديد العلاقات بين الشخوص التي اتسمت بالتراوح بين الهدوء والتوتر “شهرزاد تدفعه، يهزها خانقا”.

توزيع الشخوص على خشبة الركح:

وهو تنظيم الشخصيات على الركح وموضعها منه من ذلك “العبد يدن منها، العبد يتأمّلها”.

وظائف ذهنية:

وظيفة الترميز المتعلقة بالشخوص والأطر:

تضطلع هذه الوظيفة على تجاوز عالم الواقع إلى عالم الذهن والرمز والإيحاء بما يخطر للشخصيات في عالمها الذهني وتحديد مواقفها فالظلام في المسرحية رمز للعبد ولشهوانيته الجسدية واختلفت رمزيات الزمان والمكان.

وظيفة الترميز المتعلقة بالقضايا الذهنية التي طرحها الكاتب:

وذلك من خلال ما ذكر فإن أحوال الشخصيات دالة على قضايا ذهنية وجودية من ذلك حال الملك شهريار “شهريار يظهر في نشاط عجيب، شهريار في ضيق صدر”. فإن هذا التراوح لهو تراوح دال على الرغبة في التحرر من المكان والذي كان الجسد عائقا أمامه ترسم لنا الحركة المندفعة نحو الأمام حركة الخروج أو الرحيل “يتحرك دون أن ينظر إليها” “يتحرك في نشاط عجيب” “يتحرك في عزم” “ينهض في تجلد وقوة” هذا الاندفاع إلى الأمام أو إلى الأعلى ليس إلا رمزا لرحلة الإنسان في الوجود عامة ولرحلة بطله الذهنية خاصة فلا نكاد نجد حميمية في علاقته بالمكان بل هو التصادم.

الصراع في مسرحية شهرزاد:

لو لا الصراع  لكانت الأحداث المسرحية ذات رتابة وملل فالصّراع يكثف الأحداث ويصعدها ويقذف عند المتفرج التشويق والاهتمام وبه يبلغ الذروة فالانفراج وبه تتحدد العلاقات بين الشخوص وبينها وبين الأمكنة والأزمنة التي تتواجد فيها فيكون الصراع الدرامي في فن المسرح التقاء بين قوى عظمى ولقد كان الصراع في المأساة الإغريقية بين الإنسان وقوى غيبية عظمى ليكون المسرح الكلاسيكي في مسرحية شهرزاد صراعا لا يحتكم لقوى عظمى خارجية  فحسب كما هو الشأن مع شهريار وصراعه مع المكان بل صراعا داخليا كالصراع بين أبعاد الكيان الواحد للإنسان كصراع القلب والجسد أو العقل والجسد.

أطراف الصراع في المسرحية:

الطرف الأول:

الإنسان: يتمثل الطرف الأول في الإنسان الذي يجسده الملك شهريار الذي قد انتقل من الطور الهمجي والقتل والوحشي إلى الطور العقلاني والإنساني الحائر المفكر يقول شهريار: ” إنّي براء من الآدميّة براء من القلب لا أريد أن أشعر أريد أن أعرف” ومن ثم انتقل البطل من الطور العقلاني إلى الطور اللاعقلاني اللامبالي في آخر المسرحية ليكون صاحب رد فعل هادئ بعد أن كان ردا عنيفا ومن ذلك بعد سماعه خبر خيانة شهرزاد فيقول لقمر: “وأي واجب يوم أن كنت ظلك”.

الطرف الثاني:

المكان / الجسد: يمثل الجسد بالنسبة للشهريار سجنا له وحبيس النفس ليكون المكان أو الجسد الطرف الثاني في الصراع. إنسان يصارع المكان يصارع الجسد فهكذا يصور لنا الحكيم مسار البطل التراجيدي وهو يحاول التحرر من المكان الذي يربطه به الجسد فرغم لجوئه إلى السحر والقتل والعقل فإنه لم يستطع شهريار تخطي المكان ليؤكد الحكيم على عجز الإنسان على تجاوز منزلته الإنسانية، ليكون الجسد والمكان حدان آسران يقتلان الطموح إلى التحرر وتحقيق الفعل والإرادة الإنسانية فالإنسان عند توفيق الحكيم حر في هذا الكون لكن حريته حرية تبقى نسبية غير مطلقة فلا تتخطى القدرة الإلاهية وإن أراد الإنسان ذلك لعاد خاسرا وخائبا لكن شهريار ذاك البطل التّراجيدي قد تجاوز مرحلتي القلب والجسد ليصبح عقلا محضا أي خالصا فنجده في وقف الخيانة غير مكترث.

يكون مظهر الصراع بين الإنسان والمكان متمثل في العقل من جهة الإنسان والجسد من جهة المكان الحد الآسر للتوق والتحرر وأمام المعرفة.

صراع ذهني منبعه العقل فيواجه فيه العقل فكرة المكان الذي يعجز الإنسان على تجاوزه ليحد من معرفته يقول شهريار لشهرزاد: “إنّ عقلي ليغلي يريد أن يعرف سرّ شهرزاد” وبذلك يتبيّن لنا صراعا باطنيا لا يتجاوز الإنسان فنجد فيه تردده على عالمه الداخلي فإذا به يثور على بعض أبعاده دون الأخرى “سحقا لهذا الجسد الجميل، سحقا لهذا القلب الكبير” ومجاله الذهن فإذا هو صراع ذاتي تخوضه النفس أو الذات مع صاحبها دون تدخل من الخارج صراعا بين مكونات الكيان التي لم يجمع بينها شهريار لتجتمع هذه المكونات في شخصية شهرزاد ومع كل الشخوص يجتمع الإنسان المتعادل بين مكونات كيانه.

أنجز هذا العمل من قبل أشرف البنزرتي – بكالوريا آداب

السابق
الجانب المضموني في مسرحية شهرزاد – العربية – بكالوريا آداب
التالي
مظاهر المعاصرة والانفتاح على الدخيل – العربية – بكالوريا آداب