القضايا التي طرحها التوحيدي في أدبه – بكالوريا آداب





القضايا التي طرحها التوحيدي
في أدبه


القضايا الاجتماعية:
نقل لنا التوحيدي معاناة
طبقته الاجتماعية في عصره التي
تعاني من الفقر والتهميش وغلاء المعيشة يقول:” سمعت قوما بباب الطاق يذكرون
غلاء القوت وعوز الحرمان وتهتك صاحب العيال” كما نقل لنا انقسام المجتمع الى
طبقتين وهذا التفاوت الاجتماعي نتج عنه ثورات احتجاجية على سياسة الراعي تجاههم
يقول في كتابه الامتاع:” سفكت الدماء، استبيح الحريم، وشنت الغارات وخربت
الديار وفشا الكذب وأصبح طالب الحق حيران” وما تعانيه هذه الطبقة مما ذكر
بسبب تفاقم الضرائب وقلة موارد الرزق.

ومن مظاهر رداءة الوضع
الاجتماعي، سوء العلاقات بين أطياف المجتمع الذي اختلطت فيه الاجناس والأديان وقد
أنتج ذلك تداخلا وتنوعا في القيم الأخلاقية مما أكسب هذا المجتمع فتن داخلية.
يقول:” أرى واحدا في نصب فخ واخر في دس حيلة واخر في تمزيق عرض واخر في
اختلاق الكذب”.

وهذا التدني الأخلاقي ساهم في
تدني الوازع الديني مع تفاقم ظاهر الجهل والامية في عصر تلاقحت فيه الحضارات
والثقافات. ولقت حركة الترجمة ذروتها ونشاطها.
ويقدم لنا التوحيدي بعد نقله
هاته الأوضاع الرديئة اقتراحا بمثابة حل اجتماعي وهو توطيد العلاقات بين مختلف
العجم والعرب ومختلف الثقافات والتصدي لكل مظاهر التعصب الديني أو العرقي وتجذيرا
لقيمة التسامح والسماحة والحوار وعمل الساسة على الرفق بحال رعيتهم.
القضايا الدينية:

مع تداخل العجم والعرب ورواج
الفكر الفلسفي المسيحي، اختلفت الأديان والمذاهب الإسلامية كذلك (المذاهب الكلامية
/ المعتزلة / الاشعرية …) فتباينت المواقف من بعضهم البعض في الدفاع والعمل على
الاقناع بمواقفهم خاصة وسعي المسلمين الى التصدي الى الفكر الخارج عن الإسلام
عامة. يقول التوحيدي على لسان الوزير ابن سعدان:” من اين دخلت الافة على
أصحاب المذاهب حتى افترقوا هذا الافتراق وتباينوا هذا التباين وخرجوا إلى التكفير
والتفسيق واباحة الدم ورد الشهادة وإطلاق اللسان بالجرح والقذف والتهاجر
والتقاطع”. وقد أخذا بذلك مضمونا فكريا وبعدا عقليا لهاته المسألة حتى يبين
ويرسم لنا تطرقه السلس إلى الصراع المذهبي في عصره وردود الأفعال والمواقف من
الجبر والقدر والعلاقة بين الشريعة والفلسفة. ويقول التوحيدي مبينا لكثرة الملل
والمذاهب والفرق “صار الناس أحزابا في النحل والأديان. فهذا نصيري وهذا اشجعي
وهذا اشعري وهذا شيعي ومن لا يحصى عددها إلا الله”.  ويرى انا هذا الاختلاف والتعدد يفسح المجال
امامه الى تقابل وتلاقح الآراء والفلسفات والى تزاوج بين الشريعة والفلسفة داعيا
الى الجمع بين العقل والنقل في المعرفة. وبهذا يتبين موقف التوحيدي التوفيقي والتي
جعل من الفلسفة والشريعة غاية وهدفا واحدا ألا وهو معرفة الله. يقول:” ويكون
بالدين متقربا إلى الله تعالى… ويكون بالحكمة متصفحا لقدرة الله تعالى ومن هنا
نرصد نزعة عقلية جامعة بين الفلسفة والعقل وأدوات الإيمان لغاية واحدة…”.


القضايا السياسية:
من مظاهر المعالجة النقدية
للوضع السياسي، عمل التوحيدي بداية بنقل مظاهر تدهور الوضع السياسي وذلك من خلل صورة
استعانة العباسيين بالفرس في حكمهم مما ساهم في فرض وجودهم وأفكارهم وعاداتهم.
يقول التوحيدي في ذلك “ألا ترى ان الحال استحالت عجما كسروية وقيصرية فأين
هذا من حديث النبوة الناطقة والامامة الصادقة”.

كما رسم التوحيدي أوضاع
الخليفة القائمة على الترف والإهمال والعمدة على الملذات فأخذوا من السياسية
وجعلوها كالملاهي لا يوجد فيها إلا اللهو والشراب والغناء. يقول التوحيدي في ذلك:”
انهمكوا في القصف والعزف وأعرضوا عن المصالح الدينية والخيرات السياسية”.
أما الساسة فقد تجبروا وتكبروا
ونذكر منهم أبو الفضل ابن عباس بن الحسن الوزير يقول:” وسلم إلى عدوه حتى
استل روحه من بين جنابيه شافيا به ومتشفيا منه وكان عاقبة أمره خسرا ولو اتقى الله
لكان اخر امره يسرا”.
ويرى التوحيدي أنه لزاما على
السلطان أن يعمد ويستند إلى العقل في سياسته وعلاقته بالرعية في حين أنه يبرز
مخاطر غياب العقل لدى السلطان وما ينجر عن ذلك من آفات في عصره. يقول مخاطبا
الوزير: “إقدام الرجل على ما لا يعلم أصوب هو أم خطأ لجاج واللجاج آفة
الرأي”.

وعمد بعض السلاطين على اقصاء
أهل العلم والحكمة حيث يقول التوحيدي في ذلك ناقدا الأمير البوهيمي:” وكان
وافر الحظ من سوء الادب قليل النحاسي من أهل الفضل والحكمة”. إذ يقول
التوحيدي في الامتاع والمؤانسة على لسان الوزير:” هؤلاء سباع ضارية وكلاب
عاوية وعقارب لساعة وأفاع نهاسة”. ويقول أيضا وما تابع الفساد ومنابت التغليط
كلها من الحاشية التي لا تعرف نظام الدولة ولا استقامة المملكة. حيث عمد الكثير من
الحاشية الى تلبية وتحقيق مصالحهم الخاصة وعمدوا في ذلك إلى وسائل عديدة كنشر
الدسائس والمؤامرات والسرقات الخفية وغير ذلك.

ويدعو التوحيدي إلى تجاوز
الوضع السياسي البائس إلى العودة إلى الله وعدم التبذير والاسراف فيما طاب لهم من
الشهوات والملذات التي تذهب عقلنة السياسة. يقول ابن سعداء:” اهجر الشراب
وادم النظر في المصحف وافزع الى الله بالاستخارة”.
كما يدعو أيضا إلى اقتناء
السلطان أو الملك إلى حاشيته اقتناء يحتكم إلى النضج والكفاءة والعلم والنصح
بتوجيه شؤون الدولة الذي يصدهم بذلك عن الفتن والثورات الداخلية. يقول ابن
سعدان:” افزع للثقات بالاستشارة ولا تبخل على نفسك برأي غيرك”.
كما يدعو أيضا إلى مراقبة
الحاشية وردعهم ان اضطر إلى ذلك تحقيقا للمصلحة العامة ولقوة الدولة.

القضايا الثقافية:

يعمد التوحيدي من خلال كتاب
“الامتاع والمؤانسة” و”المقابسات” أن يبرز للقارئ على
الازدهار الفكري والثقافي في عصره وتنوع مضامين هذا الازدهار نقله لنا التوحيدي من
خلال المجالس والمناظرات كطرحه لمناظرة “النحو والمنطق” بين متي بن يونس
وابي سعدان السيرافي أو نقله مناظرة ذاتية له مع ابن عبيد مضمونها “البلاغة
والحساب” معتمدا على أسلوب حجاجي يقول:” أن البليغ مستمل بلاغته من
العقل ومأخذه فيه من التمييز الصحيح”.
ويطرح التوحيدي منزلة العقل
فيجده ذو منزلة هامة عنده باعتباره هبة إلهية وهو ما به يتميز الانسان عن غيره وهو
يعتبره نسبي وغير مكتمل لان الكمال تختص به الذات الإلهية وفضل الانسان ذو النفس
العقلانية على النفس الشهوية.
وقد طرح في طيات كتاباته
مسألة التمييز بين الروح والنفس معرفيا يقول:” الروح جسم لطيف منبث في الجسم
أما النفس فإنها جوهر إلاهي”.
ويكشف التوحيدي عن الوضع
البائس والمهمش للمثقف وسعة ثقافتهم وقيمتهم الفكرية سلبهم حريتهم الفكرية. كما نقل
التوحيدي صورة المثقف الذي يعاني الفقر إلى حد الخصاصة ليضطر بذلك الشعراء
والادباء والمفكرين الى جعل منتوجهم الثقافي سلعة يكسبون بها. يقول التوحيدي:
“كنا جماعة غرباء نأوي إلى دويرة الصوفية لا نبرحها فتارة نقرأ وتارة ننام
وتارة نهذي والجوع يعمل عمله فينا.”.