رسالة الغفران الموضوع الثامن مع الاصلاح: يمثّل الإستطراد أسلوبا فنيَّا مميزا لنصّ الغفران لم يفسد تماسك القصّ ويضعف متعته إلاّ ليغذّي لسان القارئ العربي ويثري بالمعارف عقله. حلّل هذا القول مبديًّا رأيك.

 
 
رسالة الغفران الموضوع الثامن مع الاصلاح: يمثّل الإستطراد أسلوبا فنيَّا مميزا لنصّ الغفران لم يفسد تماسك القصّ
ويضعف متعته إلاّ ليغذّي لسان القارئ العربي ويثري بالمعارف عقله. حلّل هذا القول
مبديًّا رأيك.


 
الإستطراد أسلوب فنّي متميّز:
تعريف الإستطراد:
هو الخروج عن الخطّ الرئيسي للحديث إلى مواضع فرعية (من الجنّة إلى
الحشر…)
مكانة الإستطراد في الأدب العربي القديم:
الإستطراد في الأصل أسلوب مشافهة رسّخ لحظات التدوين عن عمليات الإملاء حتى
صار سنّة في الكتابة خاصة عند تلاميذ الجاحظ ومنهم المعري.
أنواع الإستطراد في رحلة الغفران: له نوعان بمقياس كمّي:
الإستطراد المطوّل: خروج يتعمده المعري ويفيض فيه الحديث عن مشغل لغوي أو
حضاري أو أدبي.
الإستطراد الخاطف: هو جمل إعتراضية.
درجات الإستطراد في رحلة الغفران: درجتان:
يمكن تمييزها إنطلاقا من طبيعة علاقة الكلام بالقص. فالإستطراد الظاهر في
الجمل الدُّعائِية وفقرات التعليق ( مثل قوله: “والحرصات مثل العرصات، أبدلت
الحاء بالعين” ففيها تعليقات خارجيّة) هي من بقايا أسلوب الترسّل، والإستطراد
الخفي يتخلل الحوار والوصف وغالبا ما يكون في شكل إستعراضا معرفيا وهو إستعراض
لمعارف المعري مثلما كان ذلك في نص “ضياع صك التوبة” وما فيه من التبديل
الذي قام به بعض الشعراء.
 




 
تأليف العنصر الأول:
فالإستطراد بذلك أسلوب مميز لرحلة الغفران تمييزا كميًّا إذ تتعدد
الإستطرادات وتتنوع لتخترق مختلف المشاهد الخيالية وتتميز كيفيًّا بأخذ القارئ على
القص وتذكيره بالترسل. ويتميز الإستطراد إبداعيًّا فيصبح أسلوبا مولدا للقص
ومساعدا عليه ضمن عملية إبداعية كبرى تحولت فيها الرسالة إلى قصة.
الإستطراد مفسد لتماسك القص ومذهب لمتعته:
الإستطراد مفسد لتماسك القص:
بإفساد الإنتظام الحدثي للرحلة وذلك من خلال قطع نمو الأحداث وكسر تواترها
بإفساد التسلسل الزمني للرحلة ويبدو ذلك في متابعة حكاية فرعية جرّه إليها إستحضار
بيت شعر لشاعر ليصعب بعد ذلك العودة إلى حكاية النزهة دون كسر للنسق الزمني (نص مع
الأعشى: بيت الأعشى
“ليت شعري متى تخُبُّ بنا النّا           قة
نحو العذيب فالصيبون”).
كما أفسد الإستطراد بنية المكان بالتّحول في الأمكنة تحولا عشوائيا فالبطل
ينتقل في الرحلة “على غير منهج” كما أفسد الإستطراد بنية الشخصية البطلة
فما يجريه المعري من إستعراض معرفيٍّ للأشعار (أشعار الجن) والأخبار (أخبار الأخطل
أو بشار ابن برد أو زهير…).
الإستطراد مذهب لمتعة القص:
إن الإستطراد قد قطع نسق القراءة المسترسلة من خلال إثقاف القارئ بالشروح
والتفصيلات مثل مشاهد بعث ابن القارح فالاستطرادات اللغوية لا تدعُ الحديث ينمو
(والحرصات مثل العرصات أبدلت الحاء بالعين).
كما أن المشاهد الخيالية تنقطع في ذهن القارئ بالمراوحة بين الخيال والواقع
فقد كان المعري ينتقل إنتقالا حرا بين عالمي الخيال والواقع مما لا يدع القارئ
يركز على فضاء معين.
الخروج من الخطاب القصصي إلى الخطاب الترسلي المباشر:
وهذا الخروج سواء كان خاطفا أو مطولا يربك تعامل القارئ مع النص (الجمل
الدعائية)
الإستعراض المعرفي حول مشاغل لغويّة أو عروضيّة:
كثف المعري من الإستعراض المعرفي بدرجة لا تسمح للقارئ أن يتواصل مع بنية
القصة خاصة الحدث.
 




 
الإستطراد يُغَذِّي لسان القارئ العربي
ويثري بالمعارف عقله:
من خلال ما يظيفه الإستطراد إلى الرصيد المعجمي للقارئ ألفاظا جديدة ويمكن
إستعمال بعضها واستبداله بطريقة تشغله أقرب إلى الفصيح.
من خلال ما يناقشه الكاتب من قضايا اللغة في نحوها وتصريفها وأوزانها
وبلاغتها.
من خلال إثارة قضايا نقد الشعر (الخصومة بين النابغة والأعشى / الكم
والكيف) ضمن هذه المحاورات بتعريف الشعر وبيان مصادره ووظيفته ( في الإستطراد
الخاص لموقف الحشر) يثري الإستطراد معارف عقل الإنسان بالخوض في كل المسائل
الفكرية كالعقائدية والسياسية والغيبية. فالإستطراد يستهدف إعادة تكوين القارئ
العربي تكوينا يأمل المعري أن يكون عقليًّا أساسًا.
النقاش:
إن كثافة الإستطراد محققة في الغالب لتمزييها أسلوبا في قسم الرحلة لكن ما
يميز قسم الرحلة على الرسالة ككل هو أساليبه القصصية فبها انفصلت الرحلة عن
الرسالة وبالإستطراد ظلت متصلة بالرسالة.
ولا يخفى أن القصة الأصلية قد قطعت أكثر من مرة بالإستطرادات ففسد تماسكها
لكن الكثير من هذه الإستطرادات تنشأ قصصا فرعية كقصة الأعشى والحُطيئة وهي كلها
قصص وسعت فضاء القص وأثرت نمو الأحداث فالإستطراد بذلك لم يفسد تماسك القص بل ساهم
في تدعيم بنية القص.
لا شك أن متعة القص في استرسال الأحداث ولكن الإستطراد قطعها فهذه المتعة
يمكن أن تتولد عن المشاهد الهزلية ومواقف الإضحاك وفي ذلك يلعب الإستطراد دورا
مهما فالكلام الغريب أكثر إثارة للإضحاك (مهياف – كفر طاب – جحجلول – زقفونه…).
ما يتحقق من تغذية اللسان في الشروح اللغوية لم يكن بنسب معهودة لأن دافع
الإستعراض المعرفي عند المعري جر لسانه إلى الحُوشِي والغريب. أما القارئ العادي
لا تهمه مثل هذه المفردات.
 




معارف تثري العقل:
يبدو العقل العربي خلال القرنين الرابع والخامس في أزمة محاصرته من قبل
تيارات نقلية وعقلية قد قلصت من مد الفكر الإعتزالي إلى حد صار فيه هذا العقل
العربي متمردا يهدم كل سائد ويعيد النظر في الكثير من المسلمات الثقافية ومنها
الدينية خاصة وليس غريب عند ذلك أن ينقل المعري إلى عقل القارئ حيرة مفكر في عزلته
وتناقضه وشكوكه.
التأليف:
إن أهمية الإستطراد وليدة الأصل الترسلي لجنس الكتابة فما يقدمه الإستطراد
من خدمة مرتبطا أساسا بالوظيفة الترسلية وهي وظيفة أصلية في رسالة الغفران لكن قسم
الرحلة وهو القسم القصصي لا يستفيد في روحه القصصية كثيرا من الإستطراد بل قد يعطل
الإستطراد نموه الطبيعي ومع ذلك فالإستطراد أفضل على القص لأن رحلة الغفران يحكمها
تداعي خواطر الكاتب وحضور معارفه لحظة إملائها لذلك لم تتخلص الرحلة من الإستطراد
فأنتجت نصا قصصيا متخيلا يحتضنه ترسل.