رسالة الغفران الموضوع السابع مع الاصلاح: قيل إن حكاية الغفران نصّ عجيب (الخيال) بقدّر ما فيه من لذّة القصّ فيه من لذعة النّقد. توسّع في تحليل هذا القول وناقشه.





رسالة الغفران الموضوع السابع مع الاصلاح: قيل إن حكاية الغفران نصّ عجيب (الخيال) بقدّر ما فيه من لذّة القصّ فيه من
لذعة النّقد. توسّع في تحليل هذا القول وناقشه.

 
مظاهر لذّة القصّ برصد مظاهر العجيب في البنية القصصيّة:
بنية الأحداث في الرّحلة:
النّقلة العجائبيّة نحو الجنّة فقد عَرج المعرّي بابن القارح من الأرض إلى
السّماء مستغلاَّ قصّة المعراج وتمّ بذلك التّحوّل من الواقع المادّي إلى الخيال
فيصبح ابن القارح موضوعا للحكاية ويصبح المعرّي قصّاصا فنّانًّا.
قيام القصّة على خمسة مقاطع: المعراج – النّزهة – الحشر – الجحيم – الجنّة.
نلاحظ أن المعرّي خرق  النّظام
الطّبيعي في وقوع الأحداث بأن جعل موقف الحشر وهو الموقف الإبتدائيّ في اليوم
الآخر يتوسّط المعراج والنّزهة من جهة والجحيم والجنّة من جهة أخرى حتى يُكثّف
التّشويق الّذي نشأ من كسر خطيّة الوقائع ومن فضول القارئ في تعرّف أساليب ابن
القارح وهو يتعجّل دخول الجنّة خاصّة وأنّ المعرّي جعل بطله يمرّ بالخيبة تلو
الخيبة حتى صار موقف الحشر لغزا لولا تلك المفاجئة الّتي أنقضت ابن القارح إذ يقول
:” جذبني جذبة حصّلني بها في الجنة”.
تصرّف المعرّي في بعض الأحداث بالتّقديم والتّأخير دون إعطاء النّسق
الزّمني الدّنيوي إعتبارا.
تماسك البنية الحدثيّة داخل كلّ مقطع قصصيّ فالأحداث تتابع في ترابط محكم
بفضل الحريّة الّتي منحها المعرّي للبطل الّذي ينتقل في فضاء المجهول فهو يكشف
الأماكن الّتي يزورها بالتّدريج ولدّة الإكتشاف هذه لا تقتصر على ابن القارح بل
تنسحب أيضا على القارئ.
 
 
2- الشخصيات:
حشد المعرّي في رحلته شخصيّات عديدة يمكن تصنيفها إلى شخصيّات إنسانيّة وحيوانّية
وغيبيّة (جنّ، ملائكة،…) ونباتيّة (مثل الحوريّة الّتي خرجت من الثّمرة) والجمع
بين هذه الشخصيّات الغير متجانسة مظهرا من مظاهر العجيب.
صفاتها: تجمع هذه الشّخصيّات بين التّاريخي الثّقافي من جهة والخيال
القصصيّ من جهة أخرى فالأعشى وأبو عليّ الفارسيّ من الشّعراء واللّغويّين لهم وجود
تاريخي وآخر قصصي فنّي وبذلك جعل المعرّي حياة الشّخصيّة القصصيّة إمتدادا فنّيًّا
لحياة الشّخص في الدّنيا وحقّق الكاتب بذلك إضافات خياليّة لا صلة لها بالواقع.
العلاقات بينها: يمكن أن نردّ العلاقات بين الشّخصيّات إلى ثلاثة أنواع:
التّكامل (رضوان وزفر)
التّباين (علاقة ابن القارح برضوان)
التّماثل (علاقة الحوريّات، علاقة حمدونة وتوفيق السّوداء).
وتبقى شخصيّة ابن القارح الشّخصيّة المركزيّة الّتي تربط بين كل الشّخصيّات
فلا وجود لها دون وجود ابن القارح.
المكان:
مثّل المكان في رحلة الغفرانإطارا للأحداث ومكوّنا أدبيًّا ساهم في إبراز
مواطن الجمال في القصّة وحقّق المتعة للقارئ ويبدو ذلك في:
لم يتم تقديم المكان دفعة واحدة فالقارئ يكتشف المكان حسب حركة البطل.
أقام المعرّي مقابلات وظيفيّة بين الأماكن فكلّما إتّسع المكان كالجنّة كان
عنوان الّراحة والسّعادة وكلّما ضاق المكان كالحشر والجحيم كان عنوان الألم
والعذاب وبذلك يكون المكان ليس مجرّد إطار بل هو مرتبط بالأحداث الّتي تُجرى فيه.
مكوّناته: نجد مكوّنات متنوّعة تُؤثّث المكان من ذلك النّبات (أشجار وثمار)
والسّوائل (أنهار من ماء ولبن وعسل وخمر) والحيوان بمختلف أنواعه منها ما هو
للرّكوب (الحصان) ومنها ما هو للأكل (الإوزّ والدّجاج). ومن مكوّنات المكان أيضا
نجد القصور والأواني من المعادن الثّمينة وقد صوّر المعرّي هذه المكونات تصويرا
حسيًّا أي ماديًّا قائما على العجيب والخيال مُستَلْهِما تصويره من مصادر متنوّعة
كالقرآن والشعر والأساطير.
الزّمان:
ساهم الزّمان في إنشاء لذّة القصّ بمايتميّز به من خصائص فقد جرّد المعرّي
الزّمن من النّسبيّة فجعله نهارًا  أبديًّا
وكذلك الزّمن غير فاعل في الأشياء والطّبيعة من ذلك قوله :”سُعُدٌ من اللّبن
لا تتغير بأن تطول الأوقات”، وقد إقتبس المعرّي من القرآن هذه المقاييس
الزّمنيّة السّرمديّة.
 


 
IIمظاهر لذعة النّقد في أهمّ القضايا:
من أهم القضايا الّتي نقدها المعرّي:
القضايا الأدبيّة:
حدّ الشّعر (مفهوم) :قدّم المعرّي تعريفا جديدا للشّعر يحتلّ فيه الذّوق
مكانة هامّة فالشّعر عند المعرّي   “كلام
موزون تقبله الغريزة على شرائط إن زاد أو نقص أبانه الحسّ” وهذا
التّعريف يتجاوز التّعريفات السّابقة أمثال تعريف قُدَامة بن جعفر الّذي يعرّف
الشّعر بقوله :”الشّعر كلام موزون مقفّى يدلّ على معنى” فالمعرّي يلحّ
على الموهبة من جهة وعلى الذّوق من جهة أخرى.
مقاييس نقد الشّعر:
مقياس الكمّ:
لهذا المقياس أنصار ومدافعون مثل النّابغة بني جعدة فهو يقول “إنّي
لأطول منك نفسا ولقد بلغت بعددِ البيوت ما لم يبلغه أحدا من العرب قبلي”.
مقياس الكيف:
له أنصاره فالبيت الجيّد يعدلُ مئة بيتٍ يقول الأعشى مخاطبا
النّابغة:” وإن بيتا ممّا بنيتُ لا يعدل بمائة من بنائك” فالمعرّي كان
موقفه ضمنيًّا فهو من أنصار الجودة في الشّعر.
نقد شعر المدح: يجمع المعرّي المدح مع الكذب فهو إفتراءًا وتحسين لما قبُحَ
وقد اعتبر النّابغة شعر المدح ناقصةً ويتّضح بذلك موقف المعرّي الرّافض لاستعمال
الشّعر للتّكسب.
السّرقة الأدبيّة: تمثّلت في السّطو على شعر الآخرين فابن القارح يحفظ
قصائد الشّعراء ويغيّر بعضها وينسبها إلى نفسه كما فعل مع رضوان وزفر (زيّنت لي
النفس الكاذبة أن أنضم أبيات في رضوان
خازن الجنان عملتها في وزن :قفا نبكي من ذكر حبيب عرفان).
نقد النّحاة واللّغويّين: غيّر النّحاة الشّعر على مقياس قواعدهم فانتهَوْ
إلى تأويلات بعيدة عن الواقع بل تدلّ أحيانا على الجنون (أمجنون أنا حتى أعتقد
ذلك؟”.
نقد شعراء الرجّز: ” أفرد لهم المعرّي جنّة خاصّة وكأنّهم لا يستحقّون
جنّة الفردوس.
 


 
القضايا الإجتماعيّة:
نقد الطّبقيّة في المجتمع
طبقتيْنِ متناقضتيْن واحدة تتنعّم بالملذّات وأخرى تعيش الفقر والبؤس فابن
القارح وبعض نزلاء الجنّة يعيشوا في جنّة الفردوس بينما يسكن الحُطيئة كوخا في
أقصى الجنّة ” كأنّه حفش أمةٍ راعية” وتظهر الطّبقيّة أيضا في حضور الأسياد
والعبيد والجواري “فهذه فاطمة الزّهراء تهب لابن القارح جارية”.
نقد الوساطة: لم يتحقّق لابن القارح دخول الجنّة إلّا بعد وساطات متعدّدة
وهذه الوساطة بدأها برضوان وزفر وحمزة وعليّ وفاطمة وآل البيت وجارية فاطمة
والرّسول وإبراهيم.
نقد قيم المجتمع: تراجعت القيم الفاضلة في عصر المعرّي لتحلّ محلّها قيم
مذمومة مثل الكذب والرّياء والخداع حتّى أصبح الصدق يجازى عليه بالمكانة الحقيرة
شأن الحُطئية الّذي فاز ببيت حقير لأنّه كان صادقا مع الآخرين في حين يفوز غيره
بنعيم الجنّة مُعتمدا النّفاق والكذب.
نقد وضعية المرأة: إقتصر دور المرأة في جنّة الغفران على أمريْن هما تحقيق
المتعة لنزلاء الجنّة (الحور) والوساطة لابن القارح لكيّ يدخل الجنّة.
نقد القضايا السياسية:
عبّر المعرّي على نقمته على الملوك دون استثناء: فأدخلهم النّار إذ يقول
المعرّي في وصف الجحيم:” والشّوس الجبابرة من الملوك تجذبهم الزّبانية إلى
الجحيم والنّسوة ذوات التيجان يسرن بألسنة من وقود وأولاد الأكاسرة في سلاسل
النّار”.
نقد توتّر العلاقة بين الرّاعي والرّعية: فالإله غائب وهو رمز لغياب
السّلطة السّياسيّة في حين تتّخذ الحاشية القرارات.
نقد الجوسسة المنتشرة في عصر المعري: إذْ كان للخليفة جواسيس منتشرين
ينقلون ما يدور في رحلة الغفران فقول ابن القارح وهو يصلح بين النّابغة والأعشى
:” يجب أن يُحذر من مَلَكٍ يَعبْرُ فيرى هذا المجلس فيرفع أحاديثه إلى
الجبّار الأعظم”.
نقد القضايا الدّينيّة:
القضايا العقائديّة:
معتقد الغفران: ربط المعرّي الغفران بالعدل الإلاهيّ وانتهى إلى أن الأمرين
يتعارضان بل إن العدل في محاسبة الإنسان على ما أتى من أفعال.
معتقد الشّفاعة: إذا كانت المغفرة من الله فالشّفاعة من الرّسول وقد
تصوّرها بعض النّاس في عصر المعرّي تشمل أيضا آل البيت وخاصّة الشّيعة وينقد
المعرّي هذا المعتقد لتعارضه مع العدل الإلاهي.
معتقد التّوبة: ينقدها المعرّي خاصّة إذا كانت في أخرة من الوقت (توبة ابن
القارح).


 
القضايا الغيبيّة:
كيفيّة البعث: “لمّا نهضتُ أنتفض من الرّيم” فهل يكون البعث جسدا
أو روحا وإذا كان كذلك فما هو الفضاء المكاني الّذي يسع كل هذه الأجساد.
كيفيّة النّعيم والعذاب: هل هي مادّيّة أو معنويّة فإذا كان النّعيم
مادّيًّا فتصبح الجنّة جنّة موبقات وإذا كان العذاب ماديًّا فإبليس من نار فكيف
يعذّب بالنّار.
النقاش:
غلبت لذّة النّقد لذّة القصّ في الغفران ويتجلّى ذلك في حدود الخيال
والعجيب مقارنة بالواقع لذلك خضع المكان لمقوّمات العالم الواقعي فجعل للجنّة أدنى
وأقصى كذلك مجتمع الآخرة يشبه المجتمع الدّنيوي فمكوّناته تحيلنا عن واقعنا كذلك
الشّخصيّات في أغلبها إنسانيّة واقعيّة فقد حافظت على طِبَاعِهَا الدّنيويّة مثل
الغضب والفرح والخوف والأحداث كذلك حافظت على واقعيّتها مثل إقامة المآدب ومجالس
الغناء.
غلبة فنّ التّرسل أضعفت المتعة.
من أهمّ خصائص التّرسل في رحلة الغفران: السّجع وتواتر الشّروح اللّغويّة
والإستطرادات التّي تعطّل لذّة القصّ.

 

يبدو المعرّي المفكّر المُترسِّلْ طغى في بعض المواطن من الرّحلة على
المعري القصّاصّ حين يتناول مواضيع ضعيفة الصّلة بالغفران مثل وصف الخمر.