درس الحرية والقدر - تفكير إسلامي - بكالوريا آداب




درس  الحرية والقدر - تفكير إسلامي - بكالوريا آداب




I معنى القضاء والقدر:
مع تعدد التّعريفات وتنوّعها تبرز معان أساسيّة يدور حولها مفهوم القضاء والقدر ترخّص كالآتي:
القضاء والقدر هو أن نؤمن بأنّ الله تعالى عَلِمَ بالأشياء وكتبها قبل وقوعها وأنَّ ما عَلِمَهُ وما كَتَبَهُ مُتَحَقِّقٌ حتما وفق مشيئته وبخلقه.

II حكمه:
الإيمان بالقضاء والقدر كان من أركان العقيدة الإسلاميّة السّتة والإيمان به واجب. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: " لا يؤمن عبد حتّى يؤمن بالقدر خيره وشرّه حتى يعلم أنّ ما أصابه ما كان ليخطئه وما أخطأه ما كان ليصيبه".

III الاختلاف في القدر:
1 مقالة الجبريّة في القضاء والقدر: 
ملاحظة: وتسمى الجهميّة نسبة لجهم ابن صفوان:
ترتكز مقالتهم على نفي الحرية الإنسانية وإنكار الاختيار = الإنسان مسيّر
اعتبروا العبد مجرّد أداة منفّذة لإرادة الله فهو خاضع للحتميّة الكونيّة كغيره من الموجودات. شبهته بالرّيشة في مهبّ الرّيح.

حججهم:
هناك نصوص قرآنيّة ظاهرها الجبر كقوله تعالى:" وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ رَبُّ العَالمَيَنَ".
تأويل النّصوص الدّالّة على إرادة العبد واختياره على أنّها واردة بمعنى الإنذار والتّحذير كقوله تعالى: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَإِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير" – فصلت 40


نقد المقالة:

  • تلغي الجبريّة إرادة الإنسان وحريّته وفعله.
  • يلغي دور العقل
  • يقوده إلى الاستسلام والانهزام وهو ما يتنافى مع مفهوم الاستخلاف.
2- مقالة المعتزلة في القضاء والقدر: القدريّة:
ترتكز مقالة المعتزلة على إثبات الحرّية للإنسان في اختياره لأفعاله.
أثبتوا أن الإنسان مسؤول ومحاسب على أفعاله لذلك لُقِّبُوا بأهل العدل لأنَّهم أثبتوا العدل لله بتأكيدهم أنَّه يُعَاقب ويُثِيبُ الإنسان حسب فعله (من رُوَّاد المعتزلة : واصل ابن عطاء، النظّام، القاضي عبد الجبّار...)

حججهم:
أثبتت المعتزلة عدم جواز أن يكون الله خالقا لأفعال العباد لأنَّ في أفعالهم الظّلم والجور فلو كان الله خالقا لوجب أن يكون ظالما وجائرا. تعالى الله على ذلك عُلُوًّا كبيرا = إثبات صفة العدل الإلهي.قال تعالى:"مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَانِ مِنْ تَفَاوُتٍ" – الملك 3
التّفاوت يعني الاختلاف والتّناقض والآية تنفي التّفاوت في حكمة الله من الخلق. 

والتّناقضات الظّاهرة في الطّبيعة منسّقة لا تنافر بينها فهي تحقّق التّكامل لأنّها راجعة إلى حكمة إلهيّة واحدة. بينما أفعال العباد فيها الحسن والقبح. فلا يصح أن تكون مخلوقة لله.

نقد المقالة:
القول بالحريّة المطلقة للإنسان مخالف للواقع لأنّ الإنسان محكوم بالضّرورات والحتميّات الكونية.
القول بأنّ العبد يخلق أفعاله كلّها يترتب عليه القول بمحدوديّة قدرة الله وهذا لا يستقيم مع الإيمان بالقدرة الإلهيّة الشّاملة.

3- مقالة الأشاعرة في القضاء والقدر:
أفعال العباد عندهم مخلوقة لله خيرا أم شرّا والعبد يكسبها ويحاسب على كسبه.

حججهم:
قال تعالى:" واللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ" – الصافات 96
أنّ للعباد أعمال (تعملون) خلافا لقول الجهميّة.
فالآية تثبت أنَّ الله قد أخبر عن نفسه بأنّه خالق أعمال العباد خلافا لقول القدريّة.
الآية حجّة على بطلان قول الجهميّة والقدريّة.

نقد المقالة:
تنفي المقالة إرادة الإنسان وتلغي حريّته وتهمّش دوره في الكون مع أنّه خليفة الله في الأرض.

 IV - التصوّر الإسلامي الصحيح للمسألة: فاعليّة الإنسان:
الإنسان فاعل ومصادر القول بقدرته على الفعل هي:
يتضمّن القرآن الكريم آيات الأمر والنّهي: آيات التّكليف
الوعد والوعيد: آيات تحميل المسؤوليّة
التّكليف + المسؤوليّة = فاعليّة الإنسان

قال تعالى: " وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى " – سورة النجم    ← الإنسان فاعل
قال تعالى: " لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَت" – سورة البقرة 286      ← الإنسان مسؤول عن فعله
قال تعالى:" إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ" –سورة الرعد 11    
← الحضارة الإنسانيّة لا تتغيّر إلّا إذا توفّرت إرادة بشريّة ذاتيّة. فالإنسان هو باني الحضارة.
يقول ابن رشد:" من وجود الفاعل في الشّاهد استدللنا على وجود الفاعل في الغائب".
← يستعمل ابن رشد قياس الغائب على الشاهد.

عقيدة المسلمين في الألوهيّة تنطلق من مشاهدة الإنسان ذاته فمن المنطقي أن يكون الشّاهد الذي نقيس عليه متمتعا بنفس ميزة الغائب وهي الفاعليّة.

الملاحظة تدلّ على أنّ الإنسان من خلال نشاطه اليوميّ وما حققه من انجازات فهو يمتلك القدرة على الفعل.

الفهم الواعي للقدر يؤكّد فاعليّة الإنسان في الكون ويدعم التّوكل وينفي التّواكل. فالإنسان مخيّر فيما يعلم ومخيّر فيما لا يعلم لذلك فهو مطالب بمعرفة السنن الكونيّة لتجاوز ضعفه.

0 commentaires: